سَيظل ضَوءٌ ما يُشعشع في المكان ...زهير أبو شايب
| ► | أيلول 2009 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | |||
| 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 |
| 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 |
| 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 |
| 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | ||

الوردة
النافذة المطلة على الشارع الفرعي الذي يوصل في نهايته الى بيتي .. تثير اهتمامي يوما بعد يوم ، والمرأة التي يظهر نصفها العلوي من برواز النافذة هي مصدر هذا الاهتمام …
اليوم قررت أن أتخذ الخطوة الاولى.. وضعت سيناريوهات عديدة ، فاضلت بينها ، فاستقر بي الامر على بعضها ،
وقفت في أول الشارع ، نظرت صوب النافذة ، كانت المرأة واقفة تنظر اليّ ، ارتبكت خطواتي وانا أسير
الخندق الاخير
الراوي
الرصاص المنهمر لم يسعفه في اتخاذ القرار ، فالتقط يد ابنه الذي لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره وصاح
- اركض
ركض الاثنان في الشارع العاري ثم سقطا معا ، سال دمهما فوق الشارع الاسود واستقر في حفرة عند أول المخيم ،
في غبش الليل تسلل بعض الصبية حيث الحفرة ، كان الاب يقبض على أصابع يد ابنه ، اقترب الصبية فتداخل الاب وابنه في عروقهم ، ثم انطلقوا
المشهد الأول
طفل في الحادية عشرة من عمره ، يُعلّق على أصابع يديه حذاءه المهتريء ، ويلوح به أمام والده كاشفا عن عورات الحذاء ، يبتسم الوالد وهو يحدق في وجه طفله تارة وفي الحذاء تارة أخرى
- سأشتري لك حذاء جديدا
- دائما تقول لي الكلام نفسه
- انتظر حتى تهدأ الامور في المخيم
ألقى الطفل الحذاء بعصبية ومضى الى أمه باكيا
المشهد الثاني
يلتقط الاب يد ابنه ، يشعر بسخونة يد الولد ، يتفحصه ، يعبران أزقة المخيم ، يحاول الصبي أن يبتعد عن الماء الاسن المنساب في الازقة ما استطاع ، يعبران احدى الساحات المفتوحة باتجاه السوق ، الصمت سيد المكان ، وحرارة الجو أعلى من معدلها الطبيعي بشكل ملموس ، جنود مدججون بالاسلحة يتوزعون في المكان ، ينظر الصبي صوبهم ، يزجره الاب ،
يعرجان على محل الاحذية الذي تعود الوالد ان يشتري أحذية أولاده منه… المحل مغلق ، يحاول الاب العودة ، لكن الصبي يستحث والده على الشراء من محل آخر ، أغلب المحلات مغلقة ، يقنع الوالد ابنه بالعودة الى البيت واعدا اياه بشراء الحذاء في الغد
منظر عام
ساحة ترابية تختلط فيها الاشياء ، الناس ، الحيوانات ، الطيور ، الخضار ، سيارة مدججة بالعسكر ، يرخى السائق زامور سيارته ويطلق الجنود الرصاص ، يرشق المتواجدون السيارة بالحجارة ، تتوقف ، يقفز منها جنديان ، يقذفان الناس بالقنابل المسيلة للدموع ، يلتقط أحد الصبية واحدة ويعيد قذفها صوب الجنود ، يتخندق بعض الجنود خلف أبواب السيارة ، يسددون بنادقهم صوب الصبي ، يهرع اليه بعض المتواجدين فيما كان يزحف على الارض ، صوت سيارة اسعاف ، يحملون الصبي ويدخلونة كيفما اتفق الى سيارة الاسعاف ، تغادر السيارة ويعود الجميع الى رشق الجنود بالحجارة ، الجنود يطلقون الرصاص ، وسيارة الاسعاف ت
الكهل
وقف أمام المرآة بكامل زينته التي يصر عليها كلما أراد الخروج من البيت … تحسس بشرة وجهه .. انتفاخ جفنيه … شعره الابيض … تمتم
- لقد غزتك الكهولة
فتل جسده نحو اليمين .. لاحظ انتباه زوجته التي عاجلته قائلة
الكبش
وسط فوضى السيارات وضجيج الناس على الارصفة وقف أبو يونس يفتش عن ابنته التي ابتلعتها الزحمة ، شدها من يدها وانتهرها بأن تحث خطاها ، وقبل ان يعبرا الشارع الى الجهة المقابلة ، مال على ابنته
- هل أنهيت العصير
هزت الفتاة رأسها ، طوّق كتفيها بذراعه
- سأشتري لك علبة أخرى
انعطف صوب بقالة نُصب قريبا من بابها براد كبير يحوي أشكالا مختلفة من العصائر والمشروبات الغازية ، فتح البراد ، فتش عن عصير البرتقال ، وجد علبة ، دس اصبعه في حلقتها الدائرية فانسلخ الصفيح عن بعضه محدثا فتحة صغيرة ، رشف منها رشفة ثم ناولها الى ابنته
- انها باردة جدا
- الطقس حار جدا
* * *
خمس علب من العصير دلقتها الفتاة في جوفها مذ خرجا من الحي سيرا على الاقدام من أجل توفير أجرة السيارة في شراء علب العصير لابنته ، والفتاة تتلقف علب العصير الواحدة بعد الاخرى بفرح غامر ، تدلقها في جوفها وهي تتلفت الى والدها ، تتعمد أن تتأخر عنه ، ينتظرها الوالد وعندما تقترب يلف عنقها بيده بحنو ويوميء الى علبة العصير
- لذيذ … أليس كذلك
تهز الفتاة رأسها ، ترشف رشفة ثم تمشي الى جوار والدها
* * *
ضاقت به الارض عندما أبلغه الطبيب بأن أم يونس تعاني من فقر دم شديد ، وأنها بحاجة الى ثلاث وحدات من الدم قبل إجراء العملية الجراحية ، حاول اقناع الطبيب بأن أم يونس قوية وتستطيع التحمل ، لكن الطبيب أصر على احضار الثلاث وحدات من الدم ، سارع أبو يونس الى بنك الدم ، لكنه لم يحصل على شيء ،
- خذ دمي
احتواه الطبيب بعينيه وهز رأسه ،
- دمي لا ينفع قال أبو يونس بانكسار
رد الطبيب ، لا ينفع …. لقد تجاوزت السبعين
* * *
لم ينم أبو يونس وهو يفكر في زوجته وفقر دمها ، فقر في كل شيء ، لا دم في الحي يكفي أم يونس ، هكذا هجس وهو يستحضر كل الوجوه السمينة .. لا وجوه سمينة في الحي ، تملكه الاعياء وهو يفكر في الطريقة التي سيوفر من خلالها ثلاث وحدات من الدم ،
لم يبق أمامه سوى بناته الثلاث ، انهن عجفاوات ، الكبيرة والوسطى التي تساعدني في الدكان ، والصغيرة ، آه الصغيرة ، انها أفضلهن حالا ولا تقوم بأعمال مرهقة
*
الحافلة
محطة الركاب تضج بالقادمين الى المدينة والمغادرين ، سيارات واقفة ،سيارات تمر مسرعة لا يكترث سائقوها للماء المتطاير من تحت عجلاتها ، حافلة ينتظر سائقها ان تمتليء مقاعدها وطوابير من الناس ينتظرون ، كنت واحدا من الذين اصطفوا في طابور طويل ننتظر الحافلة التي ستقلنا الى العاصمة .. نراقب بلهفة الطريق الواصل الى المحطة ونبتهل كلما لاحت لنا حافلة قادمة ، لكننا سرعان ما نصاب بخيبة الامل عندما تتخذ الحافلة مسرباً آخر .. برودة الجو تجعلنا نلتصق ببعضنا البعض .. السماء ترسل بشائرها على شكل رذاذ خفيف .. ترك الناس طوابيرهم واختبؤوا تحت المظلات الحديدية … هنا في هذه المحطة لا مواعيد ثابتة للحافلات قال أحد الواقفين مبدياً تذمره الشديد .. مضت فترة ليست بالقصيرة قبل أن تقف حافلة عند مسربنا .. حملنا أمتعتنا وهرولنا صوبها ،امتلأت المقاعد بسرعة غير متخيلة .. حاول السائق اغلاق الباب .. ضج من تبقى .. أصر السائق على اغلاق الباب متذرعا بطول الطريق والمطر ورجال المرور .. ألقى السائق نظرة على الركاب من خلال المرآة المثبتة أمامه ثم أدار المحرك وانطلقت الحافلة
كنت حريصا مذ دلفت الى الحافلة أن يكون مقعدي في الوسط ، فالمقاعد الامامية يشغلها غالبا كبار السن الذين يقضون الوقت في الثرثرة المملة أو في الشخير ، هذا الى جانب خشيتي من امتلاء المقاعد فأضطر خجلا لإخلاء مقعدي كي تجلس امرأة أو طاعن في السن
الجالس الى جواري رجل في الاربعين من العمر ، يراقب حبات المطر المتساقطة على النافذة باهتمام شديد .. بعض الركاب يغطون في نوم عميق ، وبعضهم يراقبون الطريق المبتلة ، والاخرون ينصتون بشغف الى برنامج اذاعي يتحدث عن حالة الطقس
- السماء ملبدة بالغيوم ، وحركة الرياح في الخارج تبدو سريعةوالمطر يتساقط بغزارة
قلت موجها حديثي الى الرجل الجالس الى جواري .. رد قائلا
- الطريق وعرة ، وأنا أخاف من الانزلاقات
قلت محاولا ان أبث السكينة في نفسه
- السائق متمرس وهو يعرف الطريق جيدا
- أنا أخاف من ركوب السيارات الصغيرة ، لذلك أستقل الحافلة
- أنا أفضل المقعد الاوسط دائما حتى لو استقللت سيارة صغيرة
ابتسم الرجل
لِمَ ؟
الاوسط هو الأقل تضررا لو- لا سمح الله – حدث شيىء على الطريق
أدار الرجل وجهه صوب النافذة
- المطر يتساقط بغزارة
- كلما كان المطر غزيرا كانت فرصة الانزلاق أقل
يبدو أنني لم أ ستطع اقناع الرجل الذي قلب شفتيه وعاد ينظر الى حبات المطر المتساقطة من وراء زجاج النافذة .. حاولت ايضاح الفكرة الا أنه بقي منشغلا بالمراقبة ، أحسست أنني ثقيل الظل فأدرت وجهي الى الامام .. ماسحات الزجاج لا تسيطر على غزارة المطر المنهمر .. خفف السائق من سرعة الحافلة .. اتخذ مسربا جانبيا ومشى على مهل .. لاحظ الرجل الجالس الى جواري بطء حركة الحافلة ، فاغتنمت الفرصة
- ألم أقل لك ان السائق متمرس
الرهان
انتظر هنا .. قال الممرض بلهجة آمرة وصفق الباب خلفه .. انتظر الرجل طويلا .. حاول أن يُحرك الكرسي المتحرك .. لم يتحرك .. حاول القاء نفسه الى الارض .. لم يستطع .. حاول الصراخ .. لم يسعفه صوته
شكرا لتصفحكم مدونتي










