الكابوس
كنت وحدي عندما فجرت ليل المدينة اصوات مختلطة ، أصخت السمع ، الشوارع خالية من المارة والسيارات ، ركضت صوب مركز الصوت ، صعدت بضع درجات انسرب فوقها سائل أحمر ، وقفت في طرف ساحة تعوّد أن ينام فيها حراس المدينة من السكارى والمشردين ، سمعت أنيناً ، سِرت بخطى حذرة حتى وسط الساحة ، أذهلني مشهد الناس المتكومين فوق بعضهم ، رحت أبحث عن سبب لهذا الفعل ، تقدمت أكثر ، لمحت رجلا في زاوية الساحة واقفا ، لم استبن ملامح وجهه ، لكني لاحظت ما يشبه السيف في يده ، أسرعت اليه ، تلاشى كفقاعة ، عدت الى الناس المتكومين ، قلبت أولهم ، نفر الدم من عينيه ، انتفضت وتراجعت الى الخلف ، قلبت جسداً آخر فتدلت الاحشاء ، جثث متراصة ، لا بد من نقل الخبر الى الشرطة ، قلت بيني وبين نفسي وقد تملكتني الحيرة والدهشة معاً
خطوت أولى الخطوات باتجاه مخفر الشرطة ، لكني توقفت إثر سماعي أصواتا مختلطة تقترب من الساحة ، هرولت صوبها ، بانت ظلال تحث الخطى باتجاه الساحة ، ولمّا صاروا على مرمى من بصري رأيت مجموعة من الكلاب مربوطة بسلاسل حديدية بأيدي الفوج الأول من القادمين ، صاح أحدهم :
- هو الفاعل !
تجمدت في مكاني ، نبحت كلابهم ، صاح آخر
- أيها الجزار !
- كنت أسير في الشارع ، سمعت جلبة ، ولمّا وصلت رأيت ما ترون
- كنت تراقب الساحة منذ زمن ، نحن نعرف كل شيء
- أنا !!!
زحف الناس صوبي .. تراجعت الى الخلف .. التصقت بالجثث .. توقف الجميع، عندما سمعوا قهقهة آتية من خلف الصفوف المتراصة .. شق الصفوف شبح رجل .. توجه نحوي ، ولمّا صار قريبا مني قهقه بصوت مرتفع ثم أخرج سوطا من ساق جزمته ... لوّح به في الهواء ... صحت بأعلى صوتي
- هو الفاعل
هوى السوط على جلدي ... تلويت .. قهقه الجميع بصوت مرتفع .. تقدم أحدهم .. رفع يده .. كتم الجميع أصواتهم .. تقدم نحوي .. دار حولي عدة دورات ثم التقطني من ياقة سترتي
- أنت مجنون بالتأكيد !!
- هو الذي كان واقفا في زاوية الساحة انه هو .. كان يرتدي القميص نفسه
ردد الجميع بصوت واحد
- مجنون ... مجنون
قبضوا عليّ بسهولة .. صفدوني ثم دفعوني باتجاه الرجل ... مدّ يده أسفل سترتي فأخرج سيفاً تراكم على نصله دم متجمد ... أصبت بالدوار
( قاعة السينما تضج بالمشاهدين والانسجام بادٍ على ملامح المتفرجين وهم يتابعون البطل وهو يحاول إغواء امراة بالتجسس لصالحه ، وعندما رفضت ، أخرج من ساق جزمته سيفاً ملطخاً بالدم ، مرره فوق عنقها الابيض ، وأمام خوفها من الذبح وافقت
استهجنتُ هذا السلوك ، وهجست في داخلي أن هذا الاسلوب حقير ولا يمت الى الانسانية بصلة ... لم أكد أنهي هاجسي حتى برز اليّ ... اهتزت الشاشة أولاً ثم سحل من بين الألوان ومشى باتجاهي ، كان يلف على قبضة يده سوطا اسود ، أخفيت رأسي وراء رجل يجلس في المقعد أمامي .. داس فوق الجميع ، التقطني من شعري فوقفت مكرهاً .. طوق عنقي بيديه .. أحسست ان روحي ستُزهق الآن .. استنجدت بالجالسين .. أُضيئت الأنوار الكاشفة وفتشوا القاعة ... ولمّا لم يجدوا أحدا بالأوصاف التي سردتها ، شتموني بما شاءوا وطردوني )
حاولت الانقضاض على الرجل ، إلا أن نباح الكلاب أوقفني ، تفحصت وجهه ، فأيقنت تماما أنه هو الذي سحل من بين الالوان ، وأنه هو الذي كان واقفا في زاوية الساحة ، وأنه هو الذي يطاردني باستمرار .. صحت في الناس
- هو الفاعل ؟
علت الاصوات
- مجنون ... مجنون
كيف لي ان أقنع هذا الجمع الغفير من الناس بأنه هو الفاعل ، وأنني رأيته واقفا في زاوية الساحة وسيفه مضرج بالدماء ، وأنه هو الذي بات يرصد حركاتي باستمرار ،
( أحس بوقع خطواته في الصباح بعد خروجي من البيت ، ألتفت خلفي فأراه ، من أين أتى ؟ لا ادري ... الشخص نفسه دائما .. القميص نفسه دائما .. مرة حاولت ايقافه ، وقف قبالتي وقد شمّر قميصه عن ساعديه فبان شعرٌ كالزغب
قلت : لماذا تلاحقني ؟
وأكدت له أن أمره لا يخفى عليّ ، وأنه لن يستطيع تهديدي كما فعل مع المرأة .. هزّ رأسه .. مشى بضع خطوات ثم انعطف الى زقاق ضيق ، تابعته حتى اختفى ، ثم تابعت سيري في الشارع العام ، وعند أول منعطف رأيته واقفا ، أصابتني الدهشة ، فأنا أعرف تماما أن الزقاق الذي دخله لا يوصل الى هذا المنعطف .. أهملته وتابعت طريقي .. لوّحت لسيارة أجرة .. اكتشفت بعد أن دلفت الى داخلها ، أنه هو الذي يقودها ، وأمام باب الشركة التي أعمل فيها توقف ، هبطت من السيارة والاسئلة لا تفارق صدري ، كدت أصاب بالغثيان وهو يفتح لي باب الشركة .. التقطته من ذراعه
- لماذا تلاحقني ؟
- ..... .......
قلت للحارس الواقف الى جوار الباب
- لا تدعه يدخل
قال الحارس مستنكرا
- من ؟ !
دخلت الى مبنى الشركة .. جلست الى مكتبي .. طلبت فنجانا من القهوة .. قدّم هو لي فنجان القهوة وانسحب ، احتويته وهو يدير لي ظهره شاقاً طريقه بين الطاولات ،
رفعت فنجان القهوة ، ارتعبت ، كان لون القهوة أحمر قانياً، والرجل متربعا في السائل و يقهقه بصوت مسموع ، التفتُّ الى زميلي في المكتب ، لم ألاحظ شيئاً غير عادي ، أطبقت يدي على فوهة الفنجان في محاولة لخنقه والتخلص منه ، مضت خمس دقائق .. عشر دقائق .. ولمّا رفعت يدي لم أر شيئاً .. حرّكت السائل بقلم كان في يدي .. لا أثر للرجل .. ابتسمت ومددت ساقيّ في الفسحة تحت الطاولة ، لم أكد أعيد ساقيّ الى مكانهما حتى ربتت على كتفي يد .. التفت ، كان الرجل نفسه وقد تلوّن وجهه بالاحمر .. صرخت بأعلى صوتي .. تجمهر الزملاء حولي ، استعرضت وجوههم ، كانت وجوههم تشبه وجه الرجل ويرتدون جميعا القميص نفسه .. قفزت فوق الطاولات وركضت على غير هدى )
- هو الفاعل ... هو الفاعل
وبعصبية ظاهرة انقض الرجل على عنقي .. ضغط بكل بقوته .. نفر الدم من بين أسنانه .. خرج صوتي محشرجا
- هو الفاعل
تدلى لساتي .. سبحت في العرق .. ضغط الرجل أكثر
- أنت الفاعل
احمرت عيناه .. انتفخت أوداجه ... صار لساني أطول .. صرخت بصوت مخنوق
- أنت الفاعل ... أنت الفاعل
قالت أمي وهي تحمل كأسا من الماء
- اشرب قليلا واستعذ بالله من الشيطان الرجيم
أسندت ظهري الى الجدار الاسمنتي .. مسحت بكف يدي ما تجمع من العرق فوق جبيني .. احتويت وجه أمي الذي لفه الحزن والقلق في آن
- هل قلت شيئاً ؟
- لم أفهم شيئاً
أحضرتْ أمي قليلا من الفحم وأحرقتها ثم رمت على الفحم ما تيسر من البخور ، وطلبت مني أن أقفز فوق النار سبع مرات ففعلت ، أسندتُ المخدة الى الجدار ... أرخيت رأسي فوقها ... تمتمت وجثث القتلى لا تفارق مخيلتي .. هو القاتل ، لكنهم لا يصدقونني .. سيقتلهم واحداً واحداً .. سرّحت بصري صوب النافذة .. أشعلت لفافة تبغ .. أشعة القمر تبدد ظلمة الليل .. شعرت بالجوع فقمت الى المطبخ ، ولمّا عدت لاحظت شيئا غير عادي قرب النافذة ، أصخت السمع ... قرقعة بسطار .. انبطحت أرضا وراقبت حركة الشيىء.. ما هذا ؟ ليس له شكل ثابت .. مرة يتشكل ليأخذ رأس بقرة .. ومرة يتشكل ليأخذ شكل غصن شجرة .. وأخرى شكل مسخ ... هو القاتل .. هو الذي كان يقف في زاوية الساحة .. وهو الذي تربع في الفنجان .. وهو الذي سحل من بين الالوان ... فتشت عن شيء أتسلح به .. لم أجد سوى عصا كانت أمي تستعملها لتعسيف البيت من العناكب .. زحفت باتجاه الباب .. فتحته بهدوء .. تسللت حتى صرت قريبا منه .. رفعت العصا في الفضاء وهويت بها ثم أسرعت عائدا الى الغرفة .. أغلقت الباب جيدا وتمترست خلفه
كتبها محمد خليل في 11:04 مساءً ::
أخي محمد خليل
عدتُ، وأرجو أن يكون العود أحمد!
في السينما.. في الشارع.. في المكتب.. هذا ليس كابوسا عاديا. هذا ما يشبه الخلط بين الواقعي والغرائبي.. والسبب كما أرى هو في تمكن الفنتازيا من الواقع، وقدرتها على الإمساك به، وتشكيله. هنا يختلط الواقع بحلم اليقظة الذي تنتجه الفنتازيا. وشيئا فشيئا يحل حلم اليقظة المشوه هذا محل الواقع، ما ينسحب على مفردات الحياة اليومية كلها.
الرجل أو الكائن واحد في المشاهد كلها. هذا يعني أن رزمة الفنتازيا الكابوسية واحدة. وهي في الواقع لا تخرج عن آليات القمع والاستبداد التي يتعرض لها المواطن في تفاصيل حياته كلها. ولكن الملاحظة، هي أن الناس ليسوا جميعا مهجوسين بهذا الكابوس، ما يعني أن الخلل لم يصل بعد إلى مكانة الوباء العام.. هذا ما نفهمه من القصة، حيث ما يزال ثمة أناس عاديون يتعاملون مع الواقع من دون حضور الكائن الكابوسي.
في النهاية، يُحسب للشخصية قدرتها على التماسك المهلهل. والحقيقة أنه كما بدا لي تماسك غير مبرر، بعد كل ما كان من انهيار تام للشخصية. ولكن، ربما يشكل وجوده في المنزل، وصحوته من الكابوس العادي، ووجود أمه.. ربما تشكل عوامل تدفع في اتجاه الخطوة التي قام بها.. لم يكن مهما أن يقتل ذاك الكائن أو حتى يصيبه، ولكن المهم هو أنه تمكن من فتح الباب، ورفع العصا، والضرب في الهواء. ربما اصاب وربما لم.. لا أقصد أنه أصاب الكائن الكابوسي، بل اصاب في فعلته.. أي أثمرت.. ولكن شخصا مستلبا إلى هذا الحد، لا أظن استلابه سينتهي بهذه الضربة في الهواء.. فليكن.. هي محاولة..
في النهاية.. قصة جميلة بحق. ربما يا صديقي كانت في حاجة إلى إعادة نظر، لحذف بعض الزوائد.. أنت ترى أنني مسكون بما أعتبره فائضا في النص! المشاهد كلها كان يمكن اختصار ها.. خصوصا أن الفكرة عندك تصل منذ بداية المشهد. وهو ما يجعل ثمة شعورا بالتزيد. ولا تنس أنني قارئ متفذلك بعض الشيء. وما أراه أنا ليس ملزما لأحد، بل وقد يراه غيري ضروريا، فالمعذرة أيها الصديق.
أخي محمد
دعني أولا أرحب بعودة الأخ يوسف ..وأستسمحه
ودعني أعلن سعادتي بهذه القصة التي رأيت فيها قدرة على وضع الشخصية على تلك الحافة بين الواقع والكابوس ودخولها إلى منطقة الالتباس التي ربما لا يخلو منها إنسان في هذا الزمن ...كنت فعلا أتمنى أنت تنتهي القصة عند رفع العصا ..ونقطة .
لا أشك أن تعليق يوسف سيتعب من بعده ..ولكن احتلاله للموقع الأول في التعليقات سيجعل من القراءة والتعليق مسألة أكثر جدية ومسؤولية..
أحييك
ودمتم بخير
إذا كان الكابوس بهذه الخفة و الرشاقة و قوة الأسلوب و روعة الخيال و سلاسة الحرف فيا ليتني أتكوبس ولو مرة ..
تحياتي
صديقي الحبيب يوسف
اسعدتني عودتك اولا وهذا المهم
هو ليس كابوسا بالمفهوم الكابوسي هي فنتازيا اتخذت من الحلم طريقا لتبيان ما تتعرض له فئة قد تكون أغلبية من الناس من قمع واستبداد وملاحقة ... الخ
رفع العصا والضرب في الهواء هي محاولة ، لاحظ ان ثمة افعال قام بها للتخلص من الرجل الكابوس في الحلم وثمة فعل العصا والضرب في الهواء قام به في الواقع ليدلل ذلك على امتداد الفعل من الحلم الى الواقع الذي انتج الحلم ، قد أكون نجحت وقد لا أكون تبقى محاولة
اتفق معك ثمة فوائض في النص كان يجب التخلص منها
أشكرك جزيلا ودمت في خير
الصديق العزيز عصام
يسعدني رأيك ، وتحليلك ،
اما بخصوص انتهاء النص عند رفع العصا فقد رأيت ان يكون امتدادالفعل من الكابوس الى الواقع الذي لا يختلف كثيرا عن الكابوس من خلال تمترسه خلف الباب فهو لم يقض عليه ، بل حاول
وجهة نظر احترمها
أشكرك جزيلا ودمت في خير
الاخت زين
اشكرك على كلماتك الرقيقة وأبعد الله عنك الكوابيس المرئية منها وغير المرئية
اشكرك على اهتمامك ودمت في خير
الاسم: محمد خليل
