سَيظل ضَوءٌ ما يُشعشع في المكان ...زهير أبو شايب

تداعيات

قصص ونصوص

الخميس,آذار 20, 2008


                         المقهى

 

 

كعادته دائما .. دفع الباب الزجاجي بكف يده  ، ثم وقف للحظات في الفرجة المفتوحة ... نظر الى الزاوية حيث مكانه المفضل  منذ قرر أن يكون هذا المقهى مقهاه ، الزاوية شاغرة ، مشى بين الطاولات المصفوفة بعناية متأبطا مجموعة من الصحف والاوراق ، لم يحدث مرة أن احتل أحدهم مقعده أو زاويته ، ودائما  يحذر النادل من إعارة هذا المكان لأحد مهما كانت صفته ، خاصة في ساعات الصباح

 

   ألقى ما يتأبطه على طرف الطاولة ... جلس .. سحب المقعد الى الأمام قليلا فالتصق بطنه بحافة الطاولة .. أشعل لفافة تبغ عندما جاءه النادل بفنجان قهوته المرة ، نشر إحدى الصحف على الطاولة وبدأ يقلبها على عجل .. تناول صحيفة أخرى ... وأخرى .. طوى الصحف .. سحب قلما من جيب قميصه .. صوب نظره صوب الباب الزجاجي ثم بدأ يخط على بعض الأوراق الصفراء

 

هذه الحركات تكاد تتكرر كل يوم منذ اتخذ قراره بأن يكون واحدا من رواد هذا المقهى الذي يتمتع بالهدوء النسبي ، اذا ما قورن بمقاه أخرى ، اذ أن غالبية رواده من العشاق أو هكذا يبدون ،

 

 

هو لا يهمه العشاق ، همه  أن يقرأ صحفه ويكتب بهدوء وهو يحتسي قهوته المرة ، ثم يغادر كي يعود في صباح اليوم التالي لينفق ربع النهار بين صحفه وخربشاته وقهوته المرة ، عله يخرج بمقالة لا يعترض عليها رئيس التحرير

 

يطفىء لفافة تبغه ويشعل أخرى ... يرشف رشفة من قهوته المرة .. يراقب حركة الناس في الخارج ... يحاول أن يكتب .. من أين يبدأ ؟ هذا هو السؤال الأزلي  الذي يحاصره كلما فكر في الكتابة ... يستحضر العناوين التي قرأها ... ويسأل نفسه هل ثمة ما يستحق الكتابة عنه أو حوله .. لا شيىء في صحف اليوم يثير الرغبة في الكتابة .. لكن لا بد من الكتابة ، يحاول استدراج الذاكرة ، استحضار المشاهد ، الحركات ، الآراء ، الايماءات ... لا شيىء .. يفرك أذنه اليسرى بأطراف أصابعه .. يطفىء لفافة تبغه في فنجان القهوة .. تتملكه العصبية .. يطلب فنجانا آخر

من أين أبدأ ... سأل نفسه ... البداية دائما ، يلمح طفلا يحمل في يده علبة صفراء ويستجدي الناس الشراء ولو حبة واحدة ،   

ليس ثمة ما يثير شهوة الكتابة ، عناوين الصحف باهتة ومكررة ،

 

فلسطين .. الحاضرة دائما  .. والشهداء الذين يقتلون بدم بارد ، المدن المستباحة ، الاغتيالات ، قصف البيوت ، الاطفال العراة المرتجفون بردا قبل هدم بيوت  ذويهم ... الوثائق التي تُعد على عجل  ..التصريحات المتناقضة ...

 

يلمح امرأة رثة الثياب تحمل على ذراعها طفلا ، تتعلق برجل أنيق الثياب ثم تتركه عندما لا يستجيب لطلبها لتلحق برجل آخر

 

أحداث الحادي عشر من سبتمبر وأثرها على المواليد الجدد ... يبتسم .. ما هذا الهراء ؟ العراق والاستعمار الجديد ، حرب العمائم ، والرئيس الذي قاد جلاديه الى المقصلة  ..

 

يرخي ظهره الى المقعد البلاستيكي .. يمد ساقيه على امتدادهما .. يعقد يديه خلف رأسه  .. يتثاءب ... يلتفت حوله ، لا أحد في المقهى الا هو وامرأة في الركن الآخر ... ماالذي جاء بهذه المجنونة في هذا الصباح البارد .. من الممتع أن تكتب موضوعا عن النساء في لجة الاحداث العظام التي يعاني منها العالم ... المرأة التي جاءت الى موعدها باكرا .. عنوان جميل.. ما هذا الهذر ؟ العالم يقف على قدم واحدة ولم تجد موضوعا تكتب فيه الا هذا الموضوع ، هكذا سيكون رد  رئيس التحرير

 

ماالذي جاء بها في هذا الصباح ، يرفع يده مشيرا الى النادل .. يقترب النادل منه بلا اهتمام

 

          -    هل تعرفها ؟ وأشار بيده صوب المرأة

 

          -    تأتي بعدك دائماً

 

-         لم أشاهدها من قبل ‍‍‍‍‍‍!

 

            لا .... يؤكد النادل ويتابع ، انها تأتي كل صباح ، وغالبا ما تكونَ أنت هنا وهي هناك وقد لاحظتها  تختلس النظر اليك مرات كثيرة        

 

 

نظر الى النادل بخبث ، ولم يعلق .. عاد النادل الى مكانه في زاوية المقهى فيما حاول الكاتب نبش ذاكرته عله يجد لهذه المرأة القابعة في الزاوية الاخرى شيئا في الذاكرة ... أنا على يقين من أنني لم أرها من قبل ... أكد الكاتب بينه وبين نفسه

 

فرك عينيه .. احتوى وجهه بكفيه .. الدعوة الى هدنة بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني .. لا بد من شطب العدو الصهيوني كي تمر المقالة .. خارطة الطريق  ... هذا موضوع مهم .. الطريق المعتم الذي لا يوصل الى ضوء  .. ،  يصمت قليلا .. يفكر في طريقة مثلى لطرح هذا الموضوع ... ينظر جهة المرأة ... يلاحظ نظراتها المختلسة اليه ... يلاحظ ابتسامتها  ... ياالله انها تبتسم ... تأتي كل صباح هنا ولا أراها .. لماذا تأتي ؟ ولماذا تنظر اليّ وتبتسم ،  ينادي النادل من جديد

 

        -    هل تمكث هنا طويلا ؟؟

 

         -    مَن ؟ قال النادل ببلاهة

 

         -   المرأة  ‍‍!!

 

         -  تغادر بعدك بدقائق

 

يعود النادل الى مكانه في الزاوية ... يحاول أن يستحضر سيناريوها للتقرب منها ... دعوتها الى فنجان قهوة مثلا .. أو ايصال معلومة لها من خلال النادل ... تأتي كل صباح وتغادر بعدي !  هل تأتي بعدي أم قبلي ؟؟ هل تأتي من أجلي ؟؟

 

ينظر صوب النادل، يلاحظ نظراته المختلسة ... هذا النادل خبيث .. يريد الايقاع بي ، وبالتالي فقداني لهذا المكان ... هو يكرهني .. هكذا أحس من خلال نظراته .. وأحس أحيانا أنه يظنني .... اللعين ...

 

يحاول أن يبحث عن موضوع ينهي به هذه الجلسة التي بدت أطول مما ينبغي ....لماذا لا أحاول أن أقدم لها نفسي على أنني الكاتب الذي تقرأ مقاله اليومي ولا تعرفه ... وأنني بصدد معرفة آراء الناس حول ... حول  .. حول أي شيىء ثم نتدرج في الحديث

 

النادل أكد لي أنها تنظر اليّ على استحياء ... فلماذا لا تأتي ؟؟ ربما تنتظر عاشقا لن يأتي ، أو ربما لهذا المكان خصوصية لديها ، إنها تنظر اليّ الان ... سأدعوها الى فنجان من القهوة ... لماذا لا تدعوني هي ؟؟ ربما تكون خجلة .. فالرجل هو الذي يبادر دائما في هكذا مواقف .. والعادة أن يبدأ الرجال أولا

 

العادة أن يبدأ الرجال أولا ... عنوان جميل..

 

يرفع رأسه محدقا في سقف المقهى ثم وبلا إرادة منه التفت صوب المرأة ... تبدو مترهلة .. لم يسبق أن احتلت مكاني مرة .. ولم أحتل مكانها !! إنها فكرة جيدة .. غداً  سأحتل مكانها ، وعندما تأتي كعادتها ستجد مكانها محتلا                  

ستطلب مني أن أخلي المكان .. فأرفض بحجة أنني وجدته شاغرا.. سترفع صوتها .. ثم يأتي صاحب المقهى والنادل والرواد ويتهمونني بعدم اللباقة ويلقون بي خارجا .. ثم أفقد هذا المكان الهادىء

 

لم يمتلك الجرأة على فعل أي شيىء .. الا أنه خلص في النهاية  الى أنها إن كانت تأتي من أجله كما أوحى اليه النادل فستضطر الى محادثته يوما ما والا فلتذهب الى الجحيم

 

عاد الى أوراقه الصفراء محاولا لملمة المواضيع التي سطرها كمشاريع للكتابة ... لا موضوع يستحق الكتابة فيه أو عنه ... سأعتذر من رئيس التحرير بحجة الارهاق أو المرض ، أو ، ليس لدي مزاج للكتابة  يتمتم ... يقف

 

يلملم أوراقه وصحفه .. يتأبطها .. يعدل وضع ملابسه .. يمشي بضع خطوات قاصدا الباب الزجاجي .. ينحرف فجأة باتجاه المرأة .. يقف قبالتها .. يحييها .. ترد التحية .. يبتسم

 

-         هل تقبلين دعوتي الى فنجان من القهوة ؟

 

لم تنبس ببنت شفة ... حاول أن يسحب المقعد ويجلس ، الا أن ورقة بيضاء أمامها جعلته يتسمر في وقفته

 

        اليوم لم يستطع أن يكتب شيئا

 

 

 

 

  



في21,آذار,2008  -  06:51 مساءً, يوسف ضمرة كتبها ...

صديقي محمد
مساء الخير
استمتعت حقا بقراءة القصة، وجعلتني أركض لاهثا محاولا اكتشاف مآل هذه العلاقة الملتبسة. لكن، صدقني لم تخطر في بالي حكاية المخبر هذه، ربما لأننا اعتدنا على المخبر رجلا في الكتابة.. أي شخصية نمطية.
طبعا هكذا جاءت القصة، ولا أستطيع تغييرها، ولكني كنت أطمع في شيء آخر، لا أعرفه حتى الآن. السبب ربما في كون شخصية المرأة حين كشفت لم تكن على مستوى الحكاية والغموض واللهفة.. ربما.. أو ربما أن شخصية المخبر لم تعد جذابة فنيا كما كانت من قبل، حين كانت قاسما مشتركا أعظم بين كثير من النصوص.
لا أخفيك أنني شعرت بالتعاطف مع النص القصصي!!!!!

في24,آذار,2008  -  12:31 مساءً, يوسف ضمرة كتبها ...

صديقي محمد
تحية
يبدو أن مثل هذه النهايات القاطعة والجازمة، لا تغري القارئ. وهو ما لا يدركه الكثير من القراء أنفسهم. فهم دائما مشدودون إلى ما يستفزهم، وما يجعلهم يسألون أنفسهم في الأقل عما وراء النص. من هنا كانت وقفتي أمام هذه النهاية في هذه القصة. فقد تمكنت النهاية من وضع حد لكل ما كان يدور في رأس القارئ من تأويلات وتكهنات واستفسارت، ومحاولات للربط بين الشخصيتين وما وراءهما.
أتمنى ـ كصديق حريص ـ أن لا تجبر القارئ على التوقف عند حد معين، أو نقطة معينة تريدها أنت. وأظن أننا سبق أن تحاورنا في هذه النقطة من قبل.
دمت في خير أيها العزيز

في24,آذار,2008  -  09:15 مساءً, محمد خليل كتبها ...

عزيزي يوسف
يسعدني تعاطفك مع النص القصصي سواء ايجابا او سلبا كما يسعدني اهتمامك بالنص ولا خلاف بيننا على على النهايات القاطعة ، ولا أخفيك ان السطر الاخير في القصة قد تم اضافته في النسخة الاخيرة من النسخ المعدلة للقصة وبالمناسبة القصة لم تنشر سابقا وأول نشر لها هنا ،
أحييك ويسعدني جدا اهتمامك وارجو ان لا تبخل عليّ بملاحظاتك لانني بدأت أفكر جديا بنشر مجموعتي القصصية الثانية ومن فضل هذه المدونة انني اتعامل معها كمختبر لقياس الرأي الاخر فيما أنشره هنا ومدى استجابة القراء والمهتمين وأخذ ملاحظاتهم بعين الاعتبار
أحييك فأنت الثيرمومتر الذي من خلال ملاحظاته بث فيّ روح الجرأة للتفكير في اصدار مجموعتي الثانية بعد 22 عاما من اصدار المجموعة الاولى
أحييك ودمت في خير

في27,آذار,2008  -  12:30 مساءً, منال حمدي كتبها ...

صديقى العزيز ..

فناجين قهوتنا فارغة.. دائما فارغة..!! ربما لأنها مرّة ..
وهذه المرارة باتت ملتبسة أيضا كالعلاقة الملتبسة التي ركض خلفها لاهثا صديقي العزيز يوسف ضمرة...
أتخيل أنه من الممكن أن تحتسي فنجان قهوة فارغة إن رأيت في هذا الفنجان عنوانا جديدا لكاتب مدجج بالمخالفات، يحتج على ملابسه النظيفة وعلى شعره المرتب وعلى المواعيد المضبوطة .. ويعتبر نفسه مفردة ليست لها سابقة كلما نطق وكلما أراد أن يقول رأيه لا أن تقوله أراؤه..؟!!
ربما هذه المخبره كانت فعلا تحتاج لفنجان قهوة .. لكن قهوة مدججة بالسكريات..!!! السكريات الفارغة من طعم الحلو..

قصة جميلة جدا...

"م ن ا ل "

في27,آذار,2008  -  09:55 مساءً, محمد خليل كتبها ...

الصديقة منال
تسعدني عودتك ورأيك ، ويسعدني شغبك ايضا
لك كل التحية ومرة أخرى حمدا لله على سلامتك

في27,آذار,2008  -  11:56 مساءً, عبد الله عبد الله كتبها ...

الأخ محمد خليل

عندما قرأت هذه القصة ... مباشرة حفرت في مدونتك لكي أخرج قصة الذبابة و أقرأها
ثانية ...
الفكرة أظنها مشابهة للذبابة .. و لكن الفرق الذي رأيته كقاري .. أنك أحييت نص الذبابة
و خلقتهُ قصة ... أما هنا فلم يكن الأمر كذلك في ظني... أيضاً كانت الذبابة أكثف .. مع أن بينهما أكثر من عشرين سنة ..
فالقصتين تعبران عن حال كاتب يبحث عن رأس خيط ما يبدأ به ...
ربما أكون مخطي في ما ذهبتُ إليه .. فأعذرني

تحياتي

في28,آذار,2008  -  01:42 مساءً, زِيِن كتبها ...

القصة جميلة جدا ... و الأسلوب يتيح مجالا واسعا للتخيل سيما إمرأة و رجل ...

كقارئ ...كنت مستمتعة و مشدودة ... لكني حين عرفت السبب بطل العجب

تحياتي أخي محمد

في28,آذار,2008  -  09:35 مساءً, محمد خليل كتبها ...

الاخ عبدالله
اشكرك على متابعتك
اعتقد ان القصتين مختلفتان من حيث الوضع العام وان تشابهتا في بعض من الحالة ، الذبابة شخص مهيء للكتابة لكن ظروفه الاجتماعية ( الاسرية ) ومنغصات الحياة تقف حائلا دون اكمال الكتابة
هنا اعتقد ان الظروف مختلفة
احييك

في28,آذار,2008  -  09:44 مساءً, محمد خليل كتبها ...

الصديقة زين
اولا حمدا لله على عودتك واشكرك جزيلا على اطرائك الجميل .. سآخذ ملاحظة على محمل الجد فقد بت مقتنعا ان نهاية القصة المغلقة ( والتي اضفتها لاحقا ) قد أساءت للقصة
اشكرك واحييك دائما


شكرا لتصفحكم مدونتي