سَيظل ضَوءٌ ما يُشعشع في المكان ...زهير أبو شايب

تداعيات

قصص ونصوص

الإثنين,نيسان 07, 2008


 

الحافلة

 

     محطة الركاب تضج بالقادمين الى المدينة والمغادرين ، سيارات واقفة ،سيارات تمر مسرعة لا يكترث سائقوها للماء المتطاير من تحت عجلاتها ، حافلة ينتظر سائقها ان تمتليء مقاعدها وطوابير من الناس ينتظرون ، كنت واحدا من الذين اصطفوا في طابور طويل ننتظر الحافلة التي ستقلنا الى العاصمة .. نراقب بلهفة الطريق الواصل الى المحطة ونبتهل كلما لاحت لنا حافلة قادمة ، لكننا سرعان ما نصاب بخيبة الامل عندما تتخذ الحافلة مسرباً آخر .. برودة الجو تجعلنا نلتصق ببعضنا البعض .. السماء ترسل بشائرها على شكل رذاذ خفيف .. ترك الناس طوابيرهم واختبؤوا تحت المظلات الحديدية ... هنا في هذه المحطة لا مواعيد ثابتة للحافلات قال أحد الواقفين مبدياً تذمره الشديد .. مضت فترة ليست بالقصيرة قبل أن تقف حافلة عند مسربنا .. حملنا أمتعتنا وهرولنا صوبها ،امتلأت المقاعد بسرعة غير متخيلة .. حاول السائق اغلاق الباب .. ضج من تبقى .. أصر السائق على اغلاق الباب متذرعا بطول الطريق والمطر ورجال المرور .. ألقى السائق نظرة على الركاب من خلال المرآة المثبتة أمامه ثم أدار المحرك وانطلقت الحافلة

 

   كنت حريصا مذ دلفت الى الحافلة أن يكون مقعدي في الوسط ، فالمقاعد الامامية يشغلها غالبا كبار السن الذين يقضون الوقت في الثرثرة المملة أو في الشخير ، هذا الى جانب خشيتي من امتلاء المقاعد فأضطر خجلا لإخلاء مقعدي كي تجلس امرأة أو طاعن في السن

 

    الجالس الى جواري رجل في الاربعين من العمر ، يراقب حبات المطر المتساقطة على النافذة باهتمام شديد .. بعض الركاب يغطون في نوم عميق ، وبعضهم يراقبون الطريق المبتلة ، والاخرون ينصتون بشغف الى برنامج اذاعي يتحدث عن حالة الطقس

 

       -  السماء ملبدة بالغيوم ، وحركة الرياح في الخارج تبدو سريعةوالمطر يتساقط بغزارة                    

قلت موجها حديثي الى الرجل الجالس الى جواري .. رد قائلا

 

               -  الطريق وعرة ، وأنا أخاف من الانزلاقات

 

قلت محاولا ان أبث السكينة في نفسه

 

             -  السائق متمرس وهو يعرف الطريق جيدا  

             -  أنا أخاف من ركوب السيارات الصغيرة ، لذلك أستقل الحافلة

 

             - أنا أفضل المقعد الاوسط دائما حتى لو استقللت سيارة صغيرة

ابتسم الرجل

 

            لِمَ ؟

 

           الاوسط هو الأقل تضررا  لو- لا سمح الله – حدث شيىء على الطريق

أدار الرجل وجهه صوب النافذة

 

          - المطر يتساقط بغزارة

 

         - كلما كان المطر غزيرا كانت فرصة الانزلاق أقل

 

يبدو أنني لم أ ستطع اقناع الرجل الذي قلب شفتيه وعاد ينظر الى حبات المطر المتساقطة من وراء زجاج النافذة .. حاولت ايضاح الفكرة الا أنه بقي منشغلا بالمراقبة ، أحسست أنني ثقيل الظل فأدرت وجهي الى الامام .. ماسحات الزجاج لا تسيطر على غزارة المطر المنهمر .. خفف السائق من سرعة الحافلة .. اتخذ مسربا جانبيا ومشى على مهل .. لاحظ الرجل الجالس الى جواري بطء حركة الحافلة ، فاغتنمت الفرصة

 

      - ألم أقل لك ان السائق متمرس

 

هزّ الرجل رأسه موافقا ، وأشار اليّ أن أراقب الماء المنساب في جداول

 

تخترق الأرض الحمراء .. شعرت ببرودة تتسرب الى جسدي .. أغلقت السترة التي ألبسها جيدا .. أرخيت رأسي على المقعد الذي أمامي وأغمضت عينيّ .. لم تمض بضع دقائق حتى توقفت الحافلة

 

           - خيراً

 

قال السائق

 

         - لنأخذ هذا العجوز معنا

 

وقف كل مَن في الحافلة ينظرون الى العجوز .. فتح السائق الباب الأمامي .. صعد العجوز درجات الحافلة متوكأ على عصاه

 

             -    لا متسع في الحافلة

 

قال السائق موجها حديثه للعجوز وتابع

 

                 تستطيع أن تتدبر أمرك

 

قال العجوز وقد بلله الماء

 

                   سأتدبر أمري

 

أغلق السائق الباب ، وتابع سيره ، فيما تابع العجوز المشي ببطء بين المقاعد حتى وصل الى المقعد الذي أجلس فيه ، لم يحاول أحد أن يجلسه ، بل لقد نسي الركاب العجوز وعادوا الى أحاديثهم أو متابعة نومهم ... تشاغلت بالنظر الى الجداول التي تخترق التربة الحمراء خوفا من أن تلتقي عيناي بعيني العجوز ، فأقوم وأجلسه مكاني ... لكن شريكي في المقعد لم يمهلني طويلا ، 

                       -   بعد اذنك سنجلس العجوز في الوسط

                       -  سيبللنا

                       -  لا يهم .. انه لا يقو على الوقوف

 

التصق شريكي بجدار الحافلة ... وتململت أنا في جلستي ... أحدثنا فرجة بيننا ، ثم نادى شريكي العجوز فتهلل وجهه فرحا وجلس بيننا ، بعد أن أمطرنا بدعائه

أحسست بالبرودة تتسرب الى جسدي ، والعجوز يحاول أن يتمكن من جلسته ، أنزحت قليلا فأسند ظهره الى المقعد ، ابتعدت أكثر ، صار نصفي في المقعد والاخر في الفراغ ، نظرت الى العجوز في محاولة للفت انتباهه ، ابتسم وتململ ، صار أكثر من نصفي في الفراغ ، تنهدت بغيظ  ، أشعلت سيجارة ، أبدى العجوز تذمرا واضحا من رائحة الدخان ، أطفأت السيجارة ، نظر اليّ وابتسم ، تململ ، صار جسدي باردا ، نظرت الى شريكي في المقعد ، كان منشغلا بما يجري في الخارج ، تململ العجوز فصار أكثر من ثلاثة أرباع جسدي في الفراغ ، أغمض العجوز عينيه ثم انطلق شخيره ، حاولت ايقاظه ، تحرك بسرعة فوقعت في الفراغ ، نظر العجوز اليّ وابتسم فيما كان الغيظ يمزقني ، وددت لو أستطيع الان شده من ياقة سترته وقذفه من النافذة ، لكنني خفت استهجان الناس لسلوكي ، وقفت في الفراغ الفاصل بين المقاعد ... لاحظني السائق

 

                     - يا أخ ابحث لك عن مكان فقد اقتربنا من نقطة التفتيش

من مكاني فتشت عن مقعد ، كل المقاعد مشغولة .. حرتُ .. نظرت الى العجوز الذي عاد الى نومه العميق ثم الى الذي كان شريكي في المقعد والذي ما زال مشغولا بمراقبة ما يحدث في الخارج .. صاح السائق .. ولما لم ينتبه اليّ أحد جلست في الفراغ الفاصل بين المقاعد

  

 

 

 

 

              



في08,نيسان,2008  -  10:15 صباحاً, يوسف ضمرة كتبها ...

صديقي العزيز محمد
صباح الخير
القصة ممتعة بحق، هكذا منذ القراءة الأولى، ولكن..
هل تعرف؟
لاحظت في أكثر من قصة لك، أنك تصر على معادل موضوعي للشخصية حينا، وللحادثة حينا آخر، بحيث لو لم يعثر المتلقي على هذا المعادل الموضوعي، ضاع منه ما تريده أنت.
هنا، ثمة إيحاء ـ يكاد يكون واضحا ـ إلى ما حدث لفلسطين تحديدا، وعليه، يصبح الرجل العجوز هو اليهودي الذي أشفق الفلسطينيون عليه، ولكنه تمكن شيئا فشيئا من إزاحتهم عن أرضهم. ولم ينتصر أحد إليه. الركاب يشكلون المجتمع الدولي الذي لم يحرك ساكنا.
هذه القراءة، تبطل إلى حد ما متعة القص التلقائي العفوي. وعليه فإنني افضل أن أتجاهل ذلك البعد وتلك الدلالة، كي أظل مع الحافلة كحافلة، ومع الركاب كبشر عاديين لا يمثلون شيئا. ولكن، يبدو أن هذا سيواجه صعوبة ما..
دمت في خير

في08,نيسان,2008  -  03:13 مساءً, زِيِن كتبها ...

أستاذ محمد خليل

هذه القصة ممتعة لقارئها تجلب الدفء و رائحة الشتاء ... ثرثرة العواجيز و حياة الحافلات..و الوصف الدقيق للموقف جعلنا و كأننا في الحافلة

بغض النظر عن الدلالات أرى أن الرجل هذا لو ترك أمر إختيار مقعده للصدفة لربما كان أوفر حظا....

تحياتي

في12,نيسان,2008  -  07:35 مساءً, ناي كتبها ...

مساء الخير
للصدفة كانت قصتك في الحافلة، أما قصتي فقد كانت في حفل زفاف صديقتي الحميمة، بعد فترة انقطاع عن حضور المناسبات التي لا تعني لي شيئاً
حرصت حين دخولي للقاعة مسح المكان بعيني لاختيار مكان مناسب لرؤية العروسين وفعلاً حظيت بمكان مناسب لي ولزوجي، الذي جلس على يميني وكانت المقاعد اعلى الطاولة فارغة قبل دخول العروسين
بعد عدة دقائق شاركنا الطاولة بعض الاصدقاء جلوساً على الكراسي الفارغة، وحين آن اوان الاحتفال بالعروسين، وقف الجميع للترحيب مانحين ظهورهم لي، فلم ار شيئاً، فقلت في نفسي سيجلسون الان وساحظى برؤية العروسين، لكن الجميع عدل في جلسته بحيث يراقب الحفل فرأيت الاكتاف وقد زادت اتساعاً وحظيت بمشاهدة روؤس الاصدقاء من الخلف بعضها مستدير وبعضها بيضاوي حتى ان بعضها كان مربعاً بأذنين مخروطتيتين،،تلهيت بحرق صندوق التبغ الذي بحوزتي وتمنيت لو أحضرت معي أي كتاب،يحلل شخصية الانسان من شكل رأسه وأذنيه....
حين حادثتني صديقتي بعد عودتها من شهر العسل وسألتني عن الحفل،،اجبتها كان كروياً او مربعاً او مثلثاً،،لكنك كنت رائعة..
حياة مزدحمة بخواء اليس كذلك استاذ محمد؟
سرد مختلف، بسيط ومميز
أحييك

في18,نيسان,2008  -  04:03 صباحاً, طارق موافي كتبها ...

أخي
صباحك ورد ومسك وعنبر
وجمعة مباركة علي وعليك وسائر المسلمين
ويتم أعمالك بالخير
تحياتي

في21,نيسان,2008  -  02:48 مساءً, يوسف ضمرة كتبها ...

صديقي محمد
تحياتي

طولتْ هذه القصة.
أرجو أن تكون في خير
أنتظر قصصا جديدة دائما

في22,نيسان,2008  -  10:25 صباحاً, محمد خليل كتبها ...

صديقي يوسف
اشكرك على اهتمامك وهو نبراسك دائما ،
الحقيقة ثمة خلل في خط الانترنت منذ 3 أيام
سنلتقي قريبا ، ودمت في خير
هذا الرد من مكان العمل

في25,نيسان,2008  -  10:03 صباحاً, ريما الشيخ كتبها ...

اخي الغالي
لقصصك رائحة المطر
ونكهة الواقع
ورمز قضيّة غائبة حاضرة
او هذا ما شعرت به انا
احب القراءة لك لأنني اشعر بالجمال يختال بين حروفك
لك مودتي وتقديري
واعذر تقصيري وغيابي غير المقصود
مودتي واحترامي


شكرا لتصفحكم مدونتي