الكبش
وسط فوضى السيارات وضجيج الناس على الارصفة وقف أبو يونس يفتش عن ابنته التي ابتلعتها الزحمة ، شدها من يدها وانتهرها بأن تحث خطاها ، وقبل ان يعبرا الشارع الى الجهة المقابلة ، مال على ابنته
- هل أنهيت العصير
هزت الفتاة رأسها ، طوّق كتفيها بذراعه
- سأشتري لك علبة أخرى
انعطف صوب بقالة نُصب قريبا من بابها براد كبير يحوي أشكالا مختلفة من العصائر والمشروبات الغازية ، فتح البراد ، فتش عن عصير البرتقال ، وجد علبة ، دس اصبعه في حلقتها الدائرية فانسلخ الصفيح عن بعضه محدثا فتحة صغيرة ، رشف منها رشفة ثم ناولها الى ابنته
- انها باردة جدا
- الطقس حار جدا
* * *
خمس علب من العصير دلقتها الفتاة في جوفها مذ خرجا من الحي سيرا على الاقدام من أجل توفير أجرة السيارة في شراء علب العصير لابنته ، والفتاة تتلقف علب العصير الواحدة بعد الاخرى بفرح غامر ، تدلقها في جوفها وهي تتلفت الى والدها ، تتعمد أن تتأخر عنه ، ينتظرها الوالد وعندما تقترب يلف عنقها بيده بحنو ويوميء الى علبة العصير
- لذيذ ... أليس كذلك
تهز الفتاة رأسها ، ترشف رشفة ثم تمشي الى جوار والدها
* * *
ضاقت به الارض عندما أبلغه الطبيب بأن أم يونس تعاني من فقر دم شديد ، وأنها بحاجة الى ثلاث وحدات من الدم قبل إجراء العملية الجراحية ، حاول اقناع الطبيب بأن أم يونس قوية وتستطيع التحمل ، لكن الطبيب أصر على احضار الثلاث وحدات من الدم ، سارع أبو يونس الى بنك الدم ، لكنه لم يحصل على شيء ،
- خذ دمي
احتواه الطبيب بعينيه وهز رأسه ،
- دمي لا ينفع قال أبو يونس بانكسار
رد الطبيب ، لا ينفع .... لقد تجاوزت السبعين
* * *
لم ينم أبو يونس وهو يفكر في زوجته وفقر دمها ، فقر في كل شيء ، لا دم في الحي يكفي أم يونس ، هكذا هجس وهو يستحضر كل الوجوه السمينة .. لا وجوه سمينة في الحي ، تملكه الاعياء وهو يفكر في الطريقة التي سيوفر من خلالها ثلاث وحدات من الدم ،
لم يبق أمامه سوى بناته الثلاث ، انهن عجفاوات ، الكبيرة والوسطى التي تساعدني في الدكان ، والصغيرة ، آه الصغيرة ، انها أفضلهن حالا ولا تقوم بأعمال مرهقة
* * *
- هل أنهيت العصير
- لا أريد عصيرا
- انه مفيد جدا
- لقد غثيت معدتي
- سأشتري لك بعض البسكويت
فرحت الفتاة وتساءلت
- هل بقي الكثير
- بضعة أمتار
* * *
أمسك أبو يونس يد ابنته ..صعدا بضع درجات ثم دلفا الى بهو صغير ، جلسا الى مقعد طويل ، شدد من قبضته على رسغ ابنته .. تألمت .. خرج رجل يرتدي سترة بيضاء من غرفة في آخر البهو ، أسرع أبو يونس اليه وهو يجر ابنته خلفه
- ها قد جئت بالفتاة
- أي فتاة !
- الفتاة التي ستأخذون منها الدم لأم يونس
هوى قلب الفتاة ، وتذكرت على الفور الطبيب الذي كان يخز أصابع البنات في مدرسة وكالة الغوث ، امتقع وجهها وأصابتها الرجفة ، حاولت أن تفلت من قبضة والدها ، لكنه زجرها فسكتت ... تفحصها الطبيب بعينيه ثم طلب منه أن يدخلها الى غرفة في طرف البهو ، جرّ أبو يونس ابنته الى الغرفة ، ثم أنامها فوق سرير أبيض وراح يكشف عن ساعدها ، والفتاة لا تأتي بأية حركة .. دخل الطبيب ، سألها عن عمرها ، لم تجب ، خمسة عشر عاما أجاب أبو يونس ، هز الطبيب رأسه ثم بلل قطنة ، مسح بها مقدمة اصبعها الاوسط .. خز الاصبع بالابرة ، انتفضت الفتاة ، ضغط الطبيب على اصبعها ... ضغط ... عصر .. رفع الطبيب عينيه الى أبي يونس الواقف الى جواره
ربما تكون خائفة ... ثم تابع وهو يعيد الابرة الى مكانها ،
أنا على يقين من أنها تعاني من فقر الدم
تفصد العرق من جبين أبي يونس ، طلب الطبيب من الفتاة النهوض فنهضت وهي تتابع نظرات والدها ، توسل أبو يونس الطبيب أن يحاول مرة أخرى
رد الطبيب – لا فائدة
قال أبو يونس بأعلى صوته
يا دكتور لقد أسقيتها الكثير من العصير
__
كتبها محمد خليل في 09:50 مساءً ::
صديقي محمد
صباح الخير
تتنقل في قصصك من الفانتازيا والغرائبية إلى الواقعية من دون خوف أو تخوف، وهو ما يحسب لك.
ها نحن ندخل أجواء يوسف إدريس.. وأود الإشارة هنا إلى أن الأجواء والمناخات لا تعني تأثر الكاتب بتلك القصص. فالواقع الاجتماعي متشابه، إن لم يكن واحدا، وهو ما يجعل تناول هذه الموضوعات أمرا طبيعيا من قبل العديد من القصاصين والروائيين.
يمكن تلمس نفس تراجيدي في سهولة هنا، من دون أبطال جبابرة أو أشباه آلهة، بل في خلال الناس العاديين البسطاء والمسحوقين. كما لفت انتباهي هذا الحرص على بناء قصصي محكم ومتين، لا ينطوي سوى على ما هو ضروري فقط.
أحييك ودمت في خير
الأخ محمد خليل
حاولت كثيرا فترة ماقبل الظهر التعليق هنا لكن لم يسعفني الحظ
قصتك جميلة و مؤلمة ... الكبش الظاهر هو الفتاة لكني أرى أكثر من كبش الأب و الأم و الأخوات الأخريات ... ربما كلنا
اسلوبك ممتع و لا يمل ..
أما بالنسبة للباب المفتوح فهو محض صدفة ، فتحته و لم استطع بعده الدخول لمكتوب
أرجو أن يثبت تعليقي المرة
تحياتي الحارة
لا حول ولا قوّة الا بالله
آلمتني هذه القصة
هي فعلا مؤلمة
رغم اسلوب سردها الرائع
ولا ادري بما اعلّق ،او ماذا اقول في هكذا واقع مرير نقلته لنا
مودتي وكل احترامي لك اخي الغالي
أسوبك مشوق ويجعل القارئ يستمر في القراءة
وليس لدي تعليق بالنسبة للمستوى لأني غير مؤهل لذلك فمعلوماتي ضئيلة
فتقبل إعجابي بمدونتك
الأخ محمد
قصة جميلة ومؤلمة
في الواقع تعاطفت مع الأب أكثر ..لقد تمزق بين زوجته وبناته الثلاث ..ولأنه أب فقد ترك ابنتيه العليلتين ..واختار الثالثة ظنا منه أنها أكثر ملائمة وليس كي تكون كبشا ..لاحظ أنه بدأ بنفسه كمتبرع بالدم ...لا أظن أنه يعامل ابنته ككبش رغم جهله الواضح ..أستطيع أن أتخيل كيف أصبح هو نفسه الكبش بعد اكتشافه لفقر دم ابنته ..أظنه مات كمدا كمحاولة مني لاستكمال القصة ..وأن البنت حزنت عليخ قليلا أو كثيرا ..ولكنها لن تعرف مقدار ما كان يحبها...
بالمناسبة أنا أبدو ساذجا حين أحلل القصص ..فتحملني
القصة أهم من كل خرافي
مع محبتي
صديقي عصام
تحليلك يحترم دائما وانت في القلب على الدوام
لك كل المحبة والاحترام
الأخ العزيز محمد خليل...
طالما سكننا الخوف من كل شيء .. من البدايات مثلا فلا نصل للنهايات إلا بخطًا عاثرة متوترة وراجفة..
نتوقع دائما ولا ننجو حتى بتوقعاتنا، ترى لماذا لم يتوقع الأب بأن ابنتيه العاملتين قادرتين على التبرع بالدم..؟
هما قادرتنان على خوض تجربة الحياة بصلابة.. أعتقد أن الدماء تتدفق بمرونة وانسياب في أجسادهن..
كم كنا نتصور، نعتقد، نظن، نحسم الأمر، ثم نكتشف أننا هوّلنا ما يمكن تبسيطه حتى يخرج علينا بصورة معقولة مقبولة..؟
لماذا نظن أنّ الصواب في ما لا نألفه..؟!
لماذا تأخذ منا التوقعات والاعتقادات أسلوب حياة منطقي وطبيعي وعادي..؟!
عصير لآخر نفس وفي آخر لحظة ..؟!!!!!!11
هل أردت أن تقول لنا أنّ استدراكنا للحقيقة والواقع دائما بعد فوات الأوان..؟!!!!!!!!!!!!!!!!
لكل كل الاحترام والتقدير
ولأصابعك المدججة بالحقيقة ..
"م ن ا ل "
عزيزتي منال
يسعدني وجودك هنا ، وفرحي بعودتك كبير
أحييك جدا
الاسم: محمد خليل
